ابن خلكان
147
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
وحديثهم وحروبهم وخروجهم على الخلفاء والملوك مشهور فلا حاجة إلى الإطالة بشرحه في هذا المكان ، بل إن يسر اللّه تعالى تحرير التاريخ الكبير ، فسأذكر فيه حديثهم مستوفى ، إن شاء اللّه تعالى . وبعد أن جرى ذكرهم ، فينبغي أن نذكر منه فصلا مختصرا ههنا ، حتى لا يخلو هذا الكتاب من حديثهم ، فأقول : إن شيخنا عز الدين أبا الحسن علي بن محمد المعروف بابن الأثير ذكر في تاريخه الكبير الذي سماه « الكامل » أول أمرهم ، وأطال الحديث فيه ، وشرح في كل سنة ما كان يجري لهم فيها ، فاخترت ههنا شيئا من ذلك طلبا للإيجاز . وأول ما شرع فيه في سنة ثمان وسبعين ومائتين ، فقال « 1 » : في هذه السنة تحرك قوم بسواد الكوفة يعرفون بالقرامطة ، ثم بسط القول في ابتداء أمرهم ، وحاصله : أن رجلا أظهر العبادة والزهد والتقشف ، وكان يسفّ الخوص ويأكل من كسبه ، وكان يدعو الناس إلى إمام من أهل البيت ، رضي اللّه عنهم ؛ وأقام على ذلك مدة ، فاستجاب له خلق كثير ، وجرت له أحوال أوجبت له حسن الاعتقاد فيه ، وانتشر ذكرهم بسواد الكوفة . 23 ثم قال شيخنا ابن الأثير بعد هذا في سنة ست وثمانين ومائتين « 2 » : وفي هذه السنة ظهر رجل من القرامطة يعرف بأبي سعيد الجنّابي بالبحرين ، واجتمع إليه جماعة من الأعراب والقرامطة وقوي أمره ، فقتل من حوله من أهل تلك القرى . وكان أبو سعيد المذكور يبيع للناس الطعام ، ويحسب لهم بيعهم ، ثم عظم أمرهم وقربوا من نواحي البصرة ، فجهز إليهم الخليفة المعتضد باللّه جيشا يقاتلهم مقدّمة العباس بن عمرو الغنوي ، فتواقعوا وقعة شديدة ، وانهزم أصحاب العباس وأسر العباس ، وكان ذلك في آخر شعبان سنة سبع وثمانين فيما بين البصرة والبحرين . وقتل أبو سعيد الأسرى وأحرقهم ، واستبقى
--> ( 1 ) تاريخ ابن الأثير 7 : 444 . ( 2 ) المصدر السابق : 493 ، 498 ، 511 .